السيد محمد تقي المدرسي

140

من هدى القرآن

ويجب أن تكون لديهم الشجاعة الكافية للاستمرار في الأخذ بها والبحث عما وراءها ، أما إذا كانوا جبناء فللّه عليهم حجة ، لماذا جبنوا ولماذا لم يهتدوا بنور عقلهم حين أضاء لهم الطريق ؟ . بعد رحلة قفل أبو ذر الغفاري راجعاً إلى قبيلته ، واتجه إلى صنمها يتبرك به كعادتهم حين يعودون من سفر يبدؤون بأصنامهم فبرقت في نفسه بارقة هدى ؟ ! فسأل نفسه : إن الصنم ليس إلا صخرة صماء ، فلماذا أعبد الحجر الأصم ؟ وما عساه أن يفعل بي ؟ فقرّر أن يجرّبه ، ففكر في خطة بأن يضع أمام الصنم شيئاً من الطعام والشراب ، فإذا أكل وشرب فلابد أنه على حق وهكذا فعل ، فوضع أمامه قدحاً من اللبن وجلس عنده ناحية يراقب ، فلم يطعم الصنم شيئاً فقال : ربما يخجل مني ، فذهب واختبأ وراء صخرة وأخذ يراقبه ، وبعد فترة إذا بثعلبين يأتيان ويشربان اللبن ، ثم يتبولان على الصنم ويغادران المكان دون أن يمسهما الصنم بأذى فأنشد أبو ذر يقول « 1 » : أرب يب - - ول الث - عل - بان برأس - - - - ه * لق - د هان من بال - ت عليه الث - عالب ؟ ! فترك عبادة الأصنام . إن مثل هذا المشهد كان يتكرر عند كثيرين في التاريخ الجاهلي ، ولكن لم يكن أحدهم يمتلك شجاعة أبي ذر ، لذلك فإنهم كانوا يسايرون الأوضاع الفاسدة ولا يجدون في أنفسهم حرجاً من ذلك ؟ . إن الإنسان قد يفكر تفكيراً حراً وعلى أثر تفكيره هذا يكتشف انحرافاً كبيراً فيهتدي بسببه إلى كل البرامج الرسالية ، فإذا عارضه والداه في تلك النقطة ستنكشف له سائر النقاط وتصبح هذه النقطة البسيطة بداية لمسيرة طويلة ، هكذا نجد إبراهيم يقول لوالده : يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنْ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً . وحينما اكتشف إبراهيم تلك النقطة تشجّع واستمر في محاولات الكشف ، فكشفت له نقطة أخرى وهي : أن اتباعه لأبيه خطأ ، لأن أباه يعبد صنماً لا يسمع ولا يبصر ولا يغني شيئاً . إن هذه قفزة جديدة لا يصل إليها الإنسان عادة ، خصوصاً الإنسان الذي يعيش في جو عائلي مغلق يفرض عليه اتباع كبار العائلة من الآباء والأعمام ، لكن إبراهيم وصل إلى تلك القفزة بشجاعته وباتباعه لفطرته .

--> ( 1 ) المستقصي في أمثال العرب للزمخشري : ج 1 ص 136 .